جلال الدين الرومي
27
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
حيث كان اهتزازه وانطلاقه في الدعاء سببا في اختفاء الأولياء الآخرين عن ناظريه ) نوع من التناسق والتعادل يسيطر علي الشخصية ، وما هذا التعادل والتناسق إلا نتيجة للإحساس بالغني الروحي الناتج بدوره عن وجود صلة مباشرة بالخالق ومعرفة كاملة به وعشق كامل له لا يشاء المرء لنفسه بعدها إلا ما شاء الله له ، فالإنسان المتوازن تهتز الصم الرأسيات ولا يهتز . . . لكن هذا لا يعني أن الشخصية المتوازنة شخصية متقوقعة داخل ذاتها لا تهمها مصائر الآخرين فهناك دائما عند مولانا جلال الدين تفرقة بين شخصيتين : الفضولي أو أبو الفضول بتعبير مولانا الذي يتدخل بالعذل أو بالملام في أمور لا يفهمها ولا يصل إلي غورها لأنه مرتبط دائما بالظاهر والمظاهر ، وبين العارف الحقيقي الذي هو معدن الرحمة علي خلق الله تعالى ، ويقاس غالبا حبه لله بحبه للبشر ( انظر خطاب المرأة لزوجها في قصة الشيخ الذي لم يكن يبكى موت أطفاله في الكتاب الثالث ص 155 أبيات 1780 وما بعده ) ويزداد حدب المرء علي الإنسان كلما كان هذا الإنسان يقاسي بعض أنواعه الابتلاء التي تبعده عن طريق الله ( انظر هنا حكاية الواعظ الذي لم يكن يذكر في دعائه إلا الظلمة والمجرمين والحائدين عن الطريق ( الكتاب الذي بين أيدينا الأبيات 81 وما بعدها ) ويطول بنا المقام إذا ذكرنا أمثلة أخري في هذا المجال من شعر مولانا جلال الدين ويكفي أن أحيل القارئ الكريم إلي قصة عتاب الوحي موسي من أجل الراعي لنري كيف تفيض نفس مولانا جلال الدين حبا لكل البشر ( الدفتر الثاني . . ) بل إنه يري في بعض الأحيان أن ذلك الناجي وحده لا ينجو ، بل إن عدم علاج من يقبل العلاج أمر يخالف الرحمة .